الخميس، تشرين الثاني ٢٧، ٢٠٠٨

يافا في القيد والشعر
















بـ " يافا " يومَ حُطَّ بها الرِكابُ تَمَطَّرَ عارِضٌ ودجا سَحابُ





ولفَّ الغادةَ الحسناءَ ليلٌ مُريبُ الخطوِ ليسَ به شِهاب





وأوسعَها الرَذاذُ السَحُّ لَثْماً فَفيها مِنْ تحرُّشِهِ اضطِراب





و " يافا " والغُيومُ تَطوفُ فيها كحالِمةٍ يُجلِّلُها اكتئاب





وعاريةُ المحاسن مُغرياتٍ بكفِّ الغَيمِ خِيطَ لها ثياب





كأنَّ الجوَّ بين الشمسِ تُزْهَى وبينَ الشمسِ غطَّاها نِقاب





فؤادٌ عامِرُ الإيمانِ هاجَتْ وسوِسُه فخامَرَهُ ارتياب





وقفتُ مُوزَّعَ النَّظَراتِ فيها لِطَرفي في مغَانيها انْسياب





وموجُ البحرِ يَغسِلُ أخْمَصَيْها وبالأنواءِ تغتسلُ القِباب





وبيّاراتُها ضَربَتْ نِطاقاً يُخطِّطُها . كما رُسمَ الكتاب





فقلتُ وقد أُخذتُ بسِحر " يافا " واترابٍ ليافا تُستطاب"





فلسطينٌ " ونعمَ الأمُ ، هذي بَناتُكِ كلُها خوْدٌ كَعاب





أقَّلتني من الزوراءِ رِيحٌ إلى " يافا " وحلَّقَ بي عُقاب





فيالَكَ " طائراً مَرِحاً عليه طيورالجوِّ من حَنَقٍ غِضاب





كأنَّ الشوقَ يَدفَعُهُ فيذكي جوانِحَهِ من النجم اقتراب





ركبِناهُ لِيُبلِغَنا سحاباً فجاوزَه ، لِيبلُغَنا السّحاب





أرانا كيف يَهفو النجمُ حُبَّاً وكيفَ يُغازِلُ الشمسَ الَّضَباب





وكيفَ الجوُّ يُرقِصُهُ سَناها إذا خَطرتْ ويُسكِره اللُعاب





فما هيَ غيرُ خاطرةٍ وأُخرى وإلاّ وَثْبةٌ ثُمَّ انصِباب





وإلاّ غفوةٌ مسَّتْ جُفوناً بأجوازِ السماءِ لها انجِذاب





وإلاّ صحوةٌ حتّى تمطَّتْ قوادِمُها ، كما انتفَضَ الغُراب





ولمّا طبَّقَ الأرَجُ الثنايا وفُتِّح مِنْ جِنانِ الخُلدِ باب





ولاحَ " اللُّدُّ " مُنبسِطاً عليهِ مِن الزَهَراتِ يانِعةً خِضاب





نظْرتُ بمُقلةٍ غطَّى عليها مِن الدمعِ الضليلِ بها حِجاب





وقلتُ وما أُحيرُ سوى عِتابٍ ولستُ بعارفٍ لِمَنِ العتاب





أحقَّاً بينَنا اختلَفَتْ حُدودٌ وما اختَلفَ الطريقُ ولا التراب





ولا افترقَتْ وجوهٌ عن وجوهٍ ولا الضّادُ الفصيحُ ولا الكِتاب





فيا داري إذا ضاقَت ديارٌ ويا صَحبيْ إذا قلَّ الصِحاب





ويا مُتسابقِينَ إلى احتِضاني شَفيعي عِندَهم أدبٌ لُباب





ويا غُرَّ السجايا لم يَمُنُوا بما لَطُفوا عليَّ ولم يُحاب





واثِقوا أنّا تُوَحَّدُنا همومٌ مُشارِكةٌ ويجمعُنا مُصاب





تَشِعُّ كريمةً في كل طَرفٍ عراقيٍّ طيوفُكُم العِذاب





وسائلةٌ دَماً في كلِّ قلبٍ عراقيٍّ جُروحُكم الرِغاب





يُزَكينا من الماضي تُراثٌ وفي مُستَقْبَلٍ جَذِلٍ نِصاب





قَوافِيَّ التي ذوَّبتُ قامَتْ بِعُذري . إنّها قلبٌ مُذاب





وما ضاقَ القريضُ به ستمحو عواثِرَهُ صُدورُكم الرّحاب





لئنْ حُمَّ الوَداعُ فضِقتُ ذَرعاً به ، واشتفَّ مُهجتيَ الذَّهاب





فمِنْ أهلي إلى أهلي رجوعٌ وعنْ وطَني إلى وطني إياب














محمد مهدي الجواهري












الأربعاء، تشرين الثاني ٢٦، ٢٠٠٨

بيروت











بيروت خيمتنا




الفلسطيني الطيب














اسميناه " الرجل الطيب " لأنه بلا اسم ثابت محدد ، فمرة يدعى العم عباس ومرة أبو حسين ومرة أبو إلياس ومرة أبو جاسم ومرة أبو حمد ومرة مارون ومرة محمد ... إلخ ...



إنه صورة واحدة وشخصية واحدة لأسماء عديدة من مختلف أنحاء الوطن العربي .. شخصية تعلن إنتماءها ووفاءها للوطن والشعب والأمة ، وتمقت وتدين الطوائف والطائفية والمذهبية ، تماماً كما ترفض الاعتارف بالحدود المصطنعة بين الأقطار الغربية وتتمى زوالها لأنها تدفع من حريتها وكرامتها وحياتها بسبب هذه الحدود ..
إنه الفلسطيني المشرد والمقهور والمناضل والمعتقل والمغدور والمقتول ، وهو اللبناني المشرد في وطنه والفقير المكافح والقتيل، وهو المصري الكادح المحب لمصر والعروبة، وهو الخليجي والسوداني والعراقي والانتماء الوطني والوعي القومي.
هو بائع الخضار في سوق بيروت في ظل موجة تفجير السيارات، والجريح في الجنوب الذي جعل من ظهره لوحة لكلمة " صامدون" بينما قدمه المصابة تحمل شارة " روداج " وهو متكيء على عكازيه ، هو مارون ومحمد اللذان ينزرد حول رقبتيهما طوقان حديديان ينتهيان بسلسلة حديدية مشتركة تتدلى منها ميدالية تتوسطها نجمة " داوود " السداسية .
هو القتيل مع أبناء المخيم في " صبرا " و" شاتيلا" نحن شاخصة ممنوع الوقوف .. وهو أيضاً أبو إلياس الذ ي رفض القتال مع الكتائب والجيش العميل في الشريط الحدودي في الجنوب .. وهو الفدائي المحتج على تعدد التنظيمات بقوله : " ما بكفينا جماعة أبو فلان وجماعة أبو علان .. هذا اللي كان ناقص .. جماعة أبو حنيك!!!"



كما أنه القائل في مقابلة مع الصحافة الأجنبية " :
بتسألني عن دور النفط .. الأمريكان نازلين فيه شفط .. وغذا كان ممكن نحب أمريكا .. NO it is not .. طبعاً إحنا بانحب لبنان وخصوصاً الجنوب لأنه قريب من الجيل ..والمثل قال كرمال " عين الحلوة " تكرم مرجعيون ...
عمتسألني إذا أنا مسلم أو مسيحي .! سني أو شيعي ؟!! ... أما سؤال بارد صحيح .. مش فهمتك من الأول يا أخو الشليته إني poor بن poor".
وأبو جاسم في ديوانيته يتحدث هاتفياً مع الكرملين ويطلب " تنكر" فودكا ...



إنه الشهيد في العديد من لوحات ناجي العلي الذي يتم اغتياله بسبب الشعارات الوطنية والقومية التي يكتبها ويصرخ بها ، فمرة بالرصاص من الخلف ، ومرة تحت المرساة الأمريكية التي تحطم الزورق المرموز به للخليج وتقتل " الرجل الطيب" الذي يظهر جزءاً من جثته بارزاً مع الحطام ، ومرة بالقصف الصهيوين وأخرى بالاقتتال الداخلي بين الطوائف والأحزاب المتعددة في لبنان .
إنه الجريح في العديد من اللوحات والذي يتلقى بجسده عدة رصاصات أو قطعاً من الشظايا أو جلد السياط ، ولا يغير مواقفه .. هو المعتقل في السجون الذي يتلقى التعذيب والضرب والإهانة ويرفض الاعتراف بالحدود المصطنعة .. هو المتظاهر الرافض دائماً عبر اليافطة والإعلان والخطاب للوضع القائم .. والمتهكم على الخارجين على إرادة الوطن .. إنه الحزين الكئيب على فراق الشهداء ، والصبور على المعاناة والألم .. وهو فوق كل ذلك الإنسان المقاوم الذي يحمل السلاح ويقاتل ويستشهد وإضافة لكل الأدوار السابقة التي حملها ناجي العلي لهذا " الرجل الطيب" في لوحاته ، فانه لايغيب عنا دوره الهام في إكمال صورة ومفارقات الحدث في اللوحة ، فهو من يهيء للتعليق المنطلق من " حنظلة " أو " فاطمة " في العديد من الرسومات إما بالحركة أو الإشارة أو القول المتناسق مع تعابير الوجه والجسد .. هذا الرجل النحيل الجسم ، الحافي القدمين ، يرتفع بقامته الطويلة المرقعة الثياب ووجهه المهموم المقطب .. ليرمز للرجل العربي الفقير البسيط الطيب المكافح الذي لا يجيد اللف والدوران ولا يعرف اكذب والتملق .. ليرمز للمواطن العربي بحسه الوطني والقومي وإيمانه العميق بأمته وتاريخها وقضيتها المركزية معبراً عن ذلك الإيمان بالعديد من المواقف الشجاعة والتي يواجه بسببها علاوة على شقائه القائم السجن والتعذيب والنفي والقتل .. ليرمز للمواطن العربي ليس بمعاناته وسجنه وموته بل وبرفضه ونضاله وأمله ...



إنه رمز الصبر والصمود والنضال والأمل في العود\ة لدى شريحة اجتماعية واسعة من جماهير أمتنا العربية .

" الرجل الطيب"بشكله وصفاته وحياته وممارساته النقيض التام لــ" ابو باصم " ذلك المتكرش المبطون الذي يلبس ربطة العنق والطقم الغربي ويعيش في الفنادق الفخمة ويشرب السيجار ويحتسي الخمر .. ويحاول الاتصال هاتفياً مع " فاطمة" في مخيم " برج البراجنة" من تونس ، فيكون أبلغ رد منها إغلاق الخط في وجهه ...
هو " أبو باصم " الجشع ، الطماع ، صاحب الأموال المتنقل بين الدول الأوروبية والولايات الأمريكية طالباً الاستجمام ...
" أبو باصم " الذي لم تعرف معاناة " الرجل الطيب" وعذاباته طريقاً إليه .. إنه النموذج المنسلخ عن وطنيته وأهله وشعبه وقضيته ، وهو الشريحة ذات المصالح الخاصة التي لا تتحقق إلا على حساب الوطن والمواطن ، على حساب " حنظلة " و" فاطمة" و" الرجل الطيب" ...

المتكرشون



هي شخوص أساسية في كاريكاتور ناجي العلي ، نجدها في مواقف متعددة لتعبر عن البعد الآخر غير الإيجابي في الموضوع المطروح .

وهي شخصيات تمثل – كما ذكرنا – البعض السياسي والحاكم ، والتاجر ، والانتهازي ، والمستغل " بكسر الغين " ...

ونجدها دائماً شخصيات مترهلة ، متكرشة ، متسطحة الملامح بلا رقبة ولا أقدام ( على الأغلب) ، غبية ، خالية من معاني الادراك والوعي ، جشعها يتوضح في بطونها والدوائر التي تشكلها ...
إنها رمز لكل ماهو متعفن في حياتنا العربية عموماً .. ولعل ناجي العلي برسمه تلك الشخصيات على هذه الصورة بدون رقبة ولا أقدام ، يريد أن يؤكد أنها شخصيات تنقصها ركائز الاستمرار لأنها شخصيات طارئة وزوالها محتوم كونها بلا جذور وبعيدة عن الأصالة الشعبية ..

فالطقم الغربي وربطة العنق و" البرنيطة " والخمر والسيجار والتكنولوجيا والبيوت الفخمة والأثاث الفاخر ، وتصنع الحديث والمجاملات والتملق والحفلات والسهرات الحمراء هي أهم مايميز هذه الشخصيات علاوة على فقدانها للكرامة و جفاف عواطفها وبلادة حسها وضيق أفقها وارادتها المسلوبة وافتقارها للمضمون الانساني الحقيقي ....

وربما كان ذلك ماجعل ناجي يصورها في صور تكاد تكون غريبة عن الصفات الآدمية الحقيقية في محاولة منه لنفي إنسانيتها وإبراز مضمونها اللاانساني واللاأخلاقي .. وفي كل الحالات نجد تلك الشخصيات حاقدة على " حنظلة " و" الرجل الطيب" و" فاطمة" ومساومة عليهم وعلى حقوقهم جميعاً

وفي حالات أخرى نجدها تترصدهم لتغتالهم في اللحظة المناسبة .إنها شخصيات تكره الأرض والشجر ، تكره الأطفال ، تكره الفراشات والعصافير ،وتمقت محاولات الاحتجاج فتحاول كم الأفواه وتقييد الأطراف ومصادرة الحريات ،كما تحاول حماية نفسها ولضمان استمرارها تستعين بما هو غريب عن بيئة " حنظلة"ورفاق دربه على حساب التاريخ والجغرافيا والأصالة والتراث والوطن والشعب.. إنها شخصيات تحاول تلميع الغزو الثقافي الاستعماري وتشجع التبعية الاقتصادية وترعى الأقليمية وتغذي الطائفية ... إلخ ..

الثلاثاء، تشرين الثاني ٢٥، ٢٠٠٨

فاطمة المراة الوطن




المرأة كما الرجل حاضرة دائماً في رؤية ناجي المركزية للصراع بين الأأمة العربية وأعدائها ، فهي لا تغيب ضمن شخوص كاريكاتور ناجي في كافة المجالات وعلى مختلف الأصعدة ، وهي ليست فاطمة العربية الفلسطينية فحسب، بل تتعدى ذلك عندما يصور ناجي الوطن أو الشعب او الأرض أو المخيم .. إلخ .. بإمرأة .. فالمرأة هي فلسطين وهي مصر وهي لبنان وهي " عين الحلوة " و" صبرا " و" صور " و" صيدا " والجنوب والإنتفاضة في الأراضي العربية المحتلة .. كل ذلك في الدالة على العطاء والخصب والحب والتضحية .. فها هي فلسطين إمرأة حبلى لحد الإنفجار ، ملقاة فوق أرض الصخرة المشرفة مقيدة القدمين بأنبوبة نفط ...

انه أعطاء روح القدسية للمولود بقدسية المكان وعنف قيد النفط ، السلاح المرتد إلى عكس هدفه ، وهو التبشير بانفجار الغضب الشعبي وولادة الانتفاضة العملاقة في مواجهة المحتل الغاصب .. إنها صورة إبداعية مؤلمة ، محزنة ، محرضة ومبشرة ..

حنظلة يعرف نفسه


حنظلة يُعرّف بنفسه...
عزيزي القارئ اسمح لي ان اقدم لك نفسي .. انا وأعوذ بالله من كلمة أنا .. اسمي : حنظلة ، اسم أبي مش ضروري ، امي .. اسمها نكبة وأختي الصغيرة فاطمة .. نمرة رجلي :ما بعرف لاني دايماًً حافي .. تاريخ الولادة : ولدت في (5 حزيران 67)جنسيتي: انا مش فلسطيني مش أردني مش كويتي مش لبناني مش مصري مش حدا .. الخ ،باختصار معيش هوية ولا ناوي اتجنس .. محسوبك انسان عربي وبس ..
التقيت بالصدفة بالرسام ناجي .... كاره فنه لانه مش عارف يرسم .. وشرحلي السبب .. وكيف كل ما رسم عن بلد .. السفارة بتحتج ..الارشاد والانباء ( الرقابة) بتنذر .. قلي الناس كلها اوادم .. صاروا ملايكة .. وآل ما في أحسن من هيك .. وبهالحالة .. بدي ارسم بدي اعيش .. وناوي يشوف شغلة غير هالشغلة .. قلتله انت شخص جبان وبتهرب من المعركة .. وقسيت عليه بالكلام ، وبعدما طيبت خاطرو .. وعرفتو على نفسي واني انسان عربي واعي بعرف كل اللغات وبحكي كل اللهجات معاشر كل الناس المليح والعاطل والادمي والازعر .. كل الانواع .. اللي بيشتغلوا مزبوط واللي هيك وهيك .. وقلتله اني مستعد ارسم عنه الكاريكاتير . كل يوم وفهمته اني ما بخاف من حدا غير من الله واللي بدوا يزعل يروح يبلط البحر .. وقلتلو عن اللي بيفكروا بالكنديشن والسيارة وشو يطبخوا اكتر من مابفكروا بفلسطين ..
وياعزيزي القارئ .. انا اسف لاني طولت عليك .. وما تظن اني قلتلك هالشي عشان اعبي هالمساحة .. واني بالاصالة عن نفسي وبالنيابة عن صديقي الرسام اشكرك على طول .. وبس ..

دائماً ، في رسومات ناجي العلي يواجهنا ذلك الطفل الذي غالباً ما أدار ظهره للقاريء ، وهو بلا صفحة وجه ..وهو بملامح موجزة ، ولكنه طفل بسيط ساذج ، مضحك ، مبك في أحوال أخرى ..
وفي المحصلة هو الوجدان الجمعي والشاهد والقاص ، وهو في مراحله الأخيرة الطفل الذي خرج عن كونه كل ذلك ليضيف سمه جدية ، هي سمة المشارك في الموت وفي المواجهة ، وهذا حاله في الكاريكاتور الذي حمله فيه ناجي العلي مشاعره وهمومه ونزوعاته وصوته الذي بات يعلو من خلال رفع هذا الحنظلة للسيف – المنتهي بريشة قلم :
يقول ناجي العلي: ولد حنظلة في العاشرة من عمره، و سيظل دائماً في العاشرة ، ففي تلك السن غادرتُ الوطن، وحين يعود، حنظلة سيكون بعد في العاشرة، ثم سيأخذ في الكبر بعد ذلك ... قوانين الطبيعة المعروفة لا تنطبق عليه، إنه استثناء لأن فقدان الوطن استثناء ،.. وستصبح الأمور طبيعيةً حين يعود للوطن ..لقد رسمته خلافاً لبعض الرسامين الذين يقومون برسم أنفسهم ويأخذون موقع البطل في رسوماتهم ... فالطفل يُمثل موقفاً رمزياً ليس بالنسبة لي فقط ... بل بالنسبة لحالة جماعية تعيش مثلي وأعيش مثلها. .. قدمته للقراء واسميته حنظلة كرمز للمرارة، في البداية قدمته كطفل فلسطيني لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفق قومي ثم أفق كوني إنساني

أما عن سبب إدارة ظهره للقراء فتلك قصة تُروى: في المراحل الأولى رسمتُه ملتقياً وجهاً لوجه مع الناس، وكان يحمل "الكلاشنكوف" وكان أيضاً دائم الحركة وفاعلاً وله دور حقيقي: يناقش باللغة العربية والإنجليزية، بل أكثر من ذلك فقد كان يلعب "الكاراتيه" .. يغني الزجل ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة.
وفي بعض الحالات النادرة، وأثناء انتفاضة الضفة الغربية، كان يحمل الحجارة ويرجم بها الأعداء، وأثناء خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت كان يقبّل يد هذه المدينة الجريحة مثلما كان يقدم الزهور لها. .
كنت أحرض الناس .. بعفوية الطفل الذي عقد يديه خلف ظهره ، ولكن بعد حرب أكتوبر 1973 " كتفته" باكراً لأن المنطقة ستشهد عملية تطويع وتطبيع مبكرة قبل رحلة " السادات " ... من هنا كان التعبير العفوي لتكتيف الطفل هو رفضه وعدم استعداده للمشاركة في هذه الحلول ، وقد يعطى تفسيراً أن لهذا الطفل موقفاً سلبياً ينفي عنه دور الإيجابية، لكنني أقول: إنه عندما يرصد تحركات كل أعداء الأمة، ويكشف كافة المؤامرات التي تحاك ضدها، يبين كم لهذا الطفل من إسهامات إيجابية في الموقف ضد المؤامرة ... وهذا هو المعنى الإيجابي. ..أريده مقاتلاً ، مناضلاً و.. حقيقة الطفل أنه منحازٌ للفقراء، لأنني أحمل موقفاً طبقياً، لذلك تأتي رسومي على هذا النحو ، والمهم رسم الحالات والوقائع وليس رسم الرؤساء والزعماء.
إن"حنظلة"شاهد العصر الذي لايموت.. الشاهد الذي دخل الحياة عنوة ولن يغادرها أبداً .. إنه الشاهد الأسطورة ، وهذه هي الشخصية غير القابلة للموت ، ولدت لتحيا ، وتحدت لتستمر ، هذا المخلوق الذي ابتدعته لن ينتهي من بعدي ، بالتأكيد ، وربما لا أبالغ إذا قلت أني قد أستمر به بعد موتي ) .
هذا هو فهم ناجي العلي لـ :"حنظلة " ودوره في الأحداث من خلال رسوماته فــ "حنظلة " الذي انطلق حاملاً " كلاشينكوفاً" ثم عقد يديه مديراً ظهره مابعد عام 1973 ، هو الوجه الأساسي لناجي العلي في قراءته السياسية للواقع العربي ، وفي ترصده لهذا الواقع والغعلان عنه ، ولربما تسنت لــ"حنظلة " فرصتان اثنتان كان خلالهما الحديث اليومي للشارع العربي و" باروميتر" سياسة الفوق العربي . وهما الخطوة الأوضح التي قادها " انور السادات " باتجاه إسرائيل والصلح معها وفق اتفاقيات كامب ديفيد حيث أخذ "حنظلة " على عاتقه الوقوف بوجه هذا الماسر السياسي ، والخطوة الثانية : هي دخول المفاوض الفلسطيني حلبة الصلح مع " إسرائيل والتراجع عن برنامج التحرير" ... وعلى هذا المفترق أحس "حنظلة " واحد بقادر على المواجهة ، فظهرت في لوحات ناجي العلي روؤس متعددة لـ "حنظلة "وظهرت في الرسومات المتأخرة لناجي العلي علامات النبؤة بحتمية الرصاصة الغادرة ، فأطلق "حنظلة " ليصرخ معلناً صريحاً بأن كاتم الصوت يقترب من رأسه المدور ولو تمعنا جيداً في "حنظلة " : هذا الثابت المتحرك في لوحات ناجي العلي ، هذه الشخصية المعبرة في معظم رسوم ناجي العلي عن أشد المواقف حراجة بجرأة منقطعة النظير عبر الحركة والصراخ والتعليق الساخر المتكامل مع شخصيات اللوحة وطبيعة الحدث ومفارقاته ، لوجدنا أنها تعني أيضاً الطفل العربي المطحون والمصادر الطفولة بفعل الفقر والحرمان والجهل والإحباط والمرض والشقاء .. إن "حنظلة " هو الجيل القادم بكل ما أورثناه إياه من عناء وهزائم وتخلف ... إنه ضمير هذه الأمة الحي وصوت البراءة الطفولية الذي لا يهادن ، بل يعطى الأشياء ألوانها ومسمياتها الحقيقية فلا مكان للمجاملة – وعن سابق وعي وإدراك - فالأبيض أبيض والأسود اسود ، يقول للعميل : أنت عميل ، وللمنحرف : أنت منحرف ، وللانتهازي : أنت انتهازي ، وللمستغل " بكسر الغين " : أنت مستغل .. هكذا وبدون مقدمات وبلا وجل .. تماماً مثلما يعبر عن حبه وتلاحمه مع الوطني والمخلص والشريف عبر الحركة أو الكلمة ... فهو طفل يقاوم مع الأطفال الفلسطينين بالحجارة ، وهو المعبر عن خبه للبنان ومصر في العديد من اللوحات ، وهو الجالس باطمئنان على قدم " الرجل الطيب" بينما الأخير يخط لوحة بسكين كتب عليها : " ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا " وهو الراكض بلهفة ماداً ذراعيه عندما يشاهد تلك تلك القبضة الرافعة لعلم فلسطين تشق الأرض لترتفع بعنفوان .. تماماً كما هو ذلك المحتج الرافض والمهاجم بريشته التي تشبه السيف " الميكروفونات " متعددة الأشكال والأحجام ، صارخاً بعبارة خالدة " ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة


ناجي الانسان



الرسم بالنسبه لي مهنه ووظيفه وهوايه ورغم انني اعمل رسما منذ عشرين سنه الا انني لم اشعر ابدا بالرضا عن عملي اشعر بالعجز عن توظيف هذه اللغه التعبيريه في نفل همي لان همي كبير والرسم هو الذي بحقق لي توازني الداخلي وهوعزائي ولكنه ايضا يشكل لي عذابا واحيانا اقول ان هذا الكاريكاتور الذي ارسمه يجعل حظي افضل من غيري لانه يتيح لي امكانيه تنفيس همي وان الاخرين قد يموتون كمدا وقهرا من ذلك الهم الذي يجثم على قلوبهم وينفث سمه اليومي فيهم انا اعرف ان الرسم يعزيني










































سكوت




الثلاثاء، تشرين الثاني ١٨، ٢٠٠٨

هذا الرجل الاسمر

هذا الرجل الأسمر، القاطن في البلدة القديمة بالقدس، الموروث أباً عن جد فكرة التزاوج بين الروح والمكان، المتألق صبح مساء مع آذان المسجد الأقصى المبارك، محمولاً على خطوات حافية في شارع الآلام، يمشي رافضاً أن يتحول إلى صمت على جدارية لا تنطق عن صرخةٍ تشبه الصلاة...علي جدة الذي قضى سبعة عشر عاماً خلف قضبان سجون الاحتلال، تجتمع الرحلة في كوشان ميلاده: ولد في البلدة القديمة بجوار الحرم القدسي الشريف، والده أفريقي جاء إلى فلسطين مع قوافل المسلمين لأداء مناسك الحج وللدفاع عن الأماكن المقدسة من طمع الطامعين، زوجته من عكا ساهمت في تحريك البحر في جسده وإعلاء نبرة الموج العالية في صوته...هذا الرجل الذي عذبه الليل الطويل في المعتقلات، ظل إلى جوار بيت المقدس مقتنعاً أن من حقه أن يدافع عن جدارة الآية في حماية نبوءتها، وعن ظلال الفقراء عندما يصبح المكان ساخناً كرغيف خبز في الصباح...لقد ورث من السجن ثقافة الملح وتعاليم القمر وهو يمد أصابعه الفضية يصافح السجناء متمرداً على التباطؤ بين النور والظلام في دوران زمنٍ من حديدٍ ونسيان...لكي تعرف علاقة الأسير بالقمر، يتذكر علي جدة ما قاله صديقه الأسير المحرر ناصر عطية عندما طلب من السجان في ذلك المساء أن يبقيه خمس دقائق اضافية في الساحة لكي يرى ذلك القمر الذي حرم من رؤيته ثلاث سنوات...خمس دقائق... وجه القمر... وجه الجميلات، الربيع المنتشي في السحاب، اللقاءات الطفولية في شارع المدارس... النساء المستحمات بالورد وأعواد العنبر، البلد المسكونة في القلب أغنية وأحلاماً... كل هذا لم يفهمه السجان في تلك اللحظة التي صار فيها القمر وطناً خاصاً للأسير وحده...علي جدة المريض الآن... لم يعد قادراً أن يمارس نشاطه الصحفي، وأن يرافق الزوار والقادمين إلى فلسطين ليشرح لهم بلغاته المتعددة التي يتقنها أن البراهين هنا تضجر الحقائق، وأن عليه أن يبذل جهداً كبيراً في الدفاع عن الحياة في وجه من جعلها عبئاً على الأحياء...يقول للسياح: هذه أرض وليست مزار، هذه زيتونة وليست أيقونة، هذا رباط المنصوري وباب العمود وحي الواد وليست جسراً بين منفى وأرضٍ متخيلة في عقل حاخام.يقرأ الحجاب على ولده محمد، متوتراً أمام التحولات التي شطبت النقوش عن صفحات الذاكرة... يستشعر التهديد للهوية والوجود، ينادي اللغة كي تتخلص من حروف العلة وتمارس شهوتها في تجويد غضب البؤساء...علي جدة المريض المسيج بالأسئلة والقلق والمستوطنات... العابر قسراً من باب إلى باب، ومن حارة إلى حارة، تستفزه اللافتات العبرية التي مسحت أسماء الحاضرين أمواتاً وأحياءً.... المفردات التي غيرت أسماء الأشجار، والأناشيد التي لا تمت بصلة للطيور...يقرأ في الحجاب التوقعات في غدٍ لا يختاره، وفي نوم لا يملكه سوى السجان أو حمى الوجع المستعجل لوداع القدس ساعة الغروب، يناور بين موت جميل في الحياة وموت أجمل في القدس ليشتبك بين مفاوضات تقود إلى حديقة، ومفاوضات تقود إلى جنازة... وفي كلتا الحالتين يعبر بين الفرائض الخمس على أرض عالية كالسماء.علي جدة يحفظ أصوات القتلى، يعرف رتب الجلادين وحيرتهم في إبداع خيال حربي كي يظلوا منتصرين على البلاغة في صمت الضحايا...هذا الأسمر لم تنته صلاحيته بعد... مصراً أن يتكلم ويأخذ شوطاً واسعاً في التوتر، متيقناً أنه كلما علا صوت فلسطين في القدس كلما استضافت الصلاة مزيداً من الأنبياء لتعويض غياب الحضور...يستعيد على جدة الرعشات التي هزته ومزقته في تلك الزنازين: حضور للموت، عذوبة الحياة، حنين يوجع السجانين، حلولٌ مفاجئ للمطر والمفاجآت، اختلاط الوقت بين الثابت والمتحول في الصراع على الحرية...علي جدة لم تنته صلاحيته بعد... القدس تعطيه العافية والشبق إلى التحليق في السماء، الماء في جسده يبكي والغيم والهواء، يفاوض الصيف كي يؤجل رحيله في الشتاء، ويفاوض البعيد كي تصحو الكلمات....في حي الأفارقة رجل أسمر لم يعقد هدنة بين شارعين، ولم يلتزم بقانون التقاعد لأنه كلما نظر إلى اليمين وجد شهيداً، وكلما نظر إلى اليسار وجد شهيداً يطل من شرفة الذاكرة.لا يطلب سوى أن يمشي بلا غموض، أن لا يتوه في الجغرافيا، حياته ليست له، حياته ليست معه، أسماء كثيرة تدق جسده بالفولاذ، يكره السكينة كما يكره السجن.علي جدة لم تنته صلاحيته بعد... لا زال في حي المجاورين في القدس، رجل أسمر يحاول أن يعيد بناء ما انكسر، وأن يقذف الليل من صدره، يرفض أن يوقع على وثيقة تقول أن حياته صارت مرهونة لحسن نوايا راحيل، كي لا يعيد إنتاج الموت الذي جربه سبعة عشر عاماً هناك في المعتقلات.يقول من حقي أن أحلم، ومن حقي أن أكون حراً، أن أتمادى في الرجاء والغضب والجمال والفرح، وأن لا أقع وعياً وفكراً في تابوت المجزرة، كل الأشياء لها أسرار سوى القدس، أسرارها معروفة كروحي، منفتحة على الوضوح الذي لا يحتاج إلى ديباجة، لها مكان واحد وتاريخ واحد وجسرٌ واحد، هي المتعددة في واحد، لهذا أرفض الموت في مكانين، أو أن يؤلفني كاتب يهوى النهايات المفتوحة...علي جدة يفك طلاسم الحجاب... الضمير أقوى من السياسة، الإيمان بالحرية تسبق المفاوضات، اسمي الرباعي ومنديل أمي قبل معاليه أدوميم وجفعات زئيف، لهذا لا حاضر إلا في الماضي، ولم آت إلى الغد من فراغ، بل من آية ونطفة وإيقاع امرأة في خان الزيت.......