وما الذي سيفعله الشهداء إذا أدركوا هذه الحقيقة؟ هل سيندمون على تضحيتهم؟ وهل ستتقبل الأجيال القادمة أن تضحي إذا تكشّفت لها هذه الحقيقة التي لا تستثني أحداً؟تلك الحقيقة المحك تفرض شروطها المؤلمة في أكثر من مكان وعنوان، فالأب العائد من الحرب في نص (يمـر هناك) محمّلاً بالوجع ووصايا الشهداء بعد غياب عامين سقط اسمه فيهما من كشوف العائدين وكشوف الجثث، وبالتالي سقط من حسابات الجميع، سيجد أن امرأته قد تزوجت آخر بعد أن كواها انتظار العامين، وسيجد ولديه يتصارعان على المكاسب التي خلّفها استشهاده المفترض،
فكيف لذلك المقاتل الحقيقي أن يترك عناوينهم وتذكاراتهم وأحلامهم المضيئة دون أن يعمّدها برائحة حدود الوطن الناهض فخاراً رغم العتمة والانكسار: "أحياناً يستلقي تحت تبة، وأحياناً في ظل شجرة لا يعرفها، وقتاً لا يعرفه। ثم يستيقظ مفزوعاً واللعاب الأحمر يسيل من فمه: كيف ينسي الأسماء؟! أسماء الجنود المشاكسين حليقي الرؤوس! والعناوين، أين العناوين؟ لماذا لم يكتبها؟ ولماذا يكتبها؟ كان يحفظها كلها، العناوين،المقاهي، نواصي البلاد!لم يعرف أبوك أبداً أنه أكل ورق الشجرة الأزرق، ومكتوب علي من يأكله أن يجوع ويعري، أن ينسي الأسماء وعناوين الجنود"।
