السبت، آب ٢٩، ٢٠٠٩

الشهداء يعودون هذا الاسبوع

قراءة الشهداء...أوالبيزنس ما زلت أحفظ القصة النبوءة (الشهداء يعودون هذا الأسبوع) التي قرأتها في أواخر السبعينيات للكاتب الجزائري (الطاهر وطار) وهي تطرح الأسئلة الآتية:ماذا لو عاد الشهداء اليوم وأبصروا دماءهم قد تحولت إلى بيزنس وأن الجميع يرفض عودتهم، إما خوفاً من ضياع التسهيلات والمساعدات المرصودة لذوي الشهيد، أو تحسّباً من انكشاف أمر أولئك الذين خذلوا الشهداء، ثم تقاسموا أشياءهم، بل وزوجاتهم؟

وما الذي سيفعله الشهداء إذا أدركوا هذه الحقيقة؟ هل سيندمون على تضحيتهم؟ وهل ستتقبل الأجيال القادمة أن تضحي إذا تكشّفت لها هذه الحقيقة التي لا تستثني أحداً؟تلك الحقيقة المحك تفرض شروطها المؤلمة في أكثر من مكان وعنوان، فالأب العائد من الحرب في نص (يمـر هناك) محمّلاً بالوجع ووصايا الشهداء بعد غياب عامين سقط اسمه فيهما من كشوف العائدين وكشوف الجثث، وبالتالي سقط من حسابات الجميع، سيجد أن امرأته قد تزوجت آخر بعد أن كواها انتظار العامين، وسيجد ولديه يتصارعان على المكاسب التي خلّفها استشهاده المفترض،


أيهما يحق له امتلاك شقة المساكن الشعبية، وأيهما يختار الإعفاء من التجنيد:"أخوك الشيخ المستمسك باللحية والثوب القصير استمسك بالشقة أيضاً وله وجهة نظر معقولة، هو بالفعل أنهي التجنيد ثلاث سنوات بالتمام والكمال، لكنك مشاكس ركبت رأسك وقلت إن التجنيد لا يهمك، هل كنت وأنت لا تدري، تريد أن تبحث عن أطلال أبيك هناك أم أنك فحسب لن تتنازل عن الشقة؟ قلت الشقة بالنصف بينك وبين أخيك ... وأمك قالت إنك تضع العقدة في المنشار"


।أما الأب (الشهيد الغائب) الذي سكنه الفرح متزامناً مع مجيء الخوذ الصفراء اللامعة والأحذية الطويلة التي اعتقد في حضورها حضور ساعة الخلاص من واقع الانكسار، مازال ممعناً في الغياب المقصود، يرص خوذ الشهداء فوق رأسه وصية لا يفارقه عطرها، ساحباً أحذيتهم الطويلة التي خلعوها بحرص وهم يموتون كي يوصلها لأهلهم، فهم لم يفرّوا في لحظة المواجهة، ولم يتخففوا من أحذيتهم باحثين عن هروب أيسر، لكنهم بقوا هناك يحملون الوطن -الذي تخلى عنه السماسرة- في مرايا صدرورهم، يُروّضون النيران والدخان على بواباته، ويصنعون بمشيئتهم تاريخاً آخر أبقى وأنصع،

 فكيف لذلك المقاتل الحقيقي أن يترك عناوينهم وتذكاراتهم وأحلامهم المضيئة دون أن يعمّدها برائحة حدود الوطن الناهض فخاراً رغم العتمة والانكسار: "أحياناً يستلقي تحت تبة، وأحياناً في ظل شجرة لا يعرفها، وقتاً لا يعرفه। ثم يستيقظ مفزوعاً واللعاب الأحمر يسيل من فمه: كيف ينسي الأسماء؟! أسماء الجنود المشاكسين حليقي الرؤوس! والعناوين، أين العناوين؟ لماذا لم يكتبها؟ ولماذا يكتبها؟ كان يحفظها كلها، العناوين،المقاهي، نواصي البلاد!لم يعرف أبوك أبداً أنه أكل ورق الشجرة الأزرق، ومكتوب علي من يأكله أن يجوع ويعري، أن ينسي الأسماء وعناوين الجنود"।




التواري أوالاحتجاب الظاهري لذلك الأنموذج (الشاهد) مقصود، يهدف من خلال أستاره إلى إزاحة الغطاء عن العورات والثغرات التي قادت الوطن إلى المتاهة عند ما حلّت ساعة النزال والكشف، بالمقابل ينهض الجنود البسطاء الذين حلموا "بالخوذ الصفراء اللامعة وبالأحذية الطويلة" التي ستعيد الكرامة المهدورة، وتمسح لحظات الهزيمة والذل، موقنين بأن تضحياتهم اللائقة لن تذهب سدى، مهما تعالت العورات।وتبقى الأسئلة:


ماذا بعد المرور الصادم للشهداء؟
وهل يمكن ترويض الشهيد وإعادته إلى صغائرنا ثانية؟
وهل يمكن للخذلان والاستغلال أن يلوّث المرحلة وحتى إشعار آخر؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق