الخميس، آذار ٢٦، ٢٠٠٩

الماغوط


محمد الماغوط
الفرح مؤجل كالثأر من جيل إلى جيل, و علينا قبل أن نحاضر في الفرح, أن نعرف كيف نتهجأ الحزن. لم أشعر في حياتي كلها بالحرية. لا يوجد عند العرب شيء متماسك منذ بدء الخليقة حتى الآن سوى القهر. أعطونا ساعات ذهبية و سرقوا الزمن, أعطونا خواتم و سرقوا الحب. الإنسان الجدي مريض و به خلل. الطغاة كالأرقام القياسية لا بد أن تتحطم في يوم من الأيام. يحتوي الكتاب ما يلي: حطاب الأشجار العالية, نصوص متلبسة بالجريمة, مسقط الرأس هناك حيث معقل القرامطة و المتنبي, سجن المزة متحف الرعب, لم أكن أملك أجرة التكسي لأذهب إلى مجلة الشعر, عصفور أحدب يستوطن غرفة بملايين الجدران, من مقهى أبو شفيق إلى الشانزليزيه, صورة جانبية في خمسين مرآة

هذا النص موضوع قبل وفاه الشاعر بمدة زمنية طويلة نسبيا وهاانا ادفعه للنشر كما كتب تماماجرّدهُ أطباء الأسنان من أضراسه وأنيابه، والموت من إلهه الكستنائي الشعر، وألم الظهر من شوارعه وأرصفته ، ومزاجه من أقرب الناس إليه ، وولعه بالحرية من المقاعد الأولى في حفلات النصب والقمع والاحتيال، وعشقه لبلاده من بقايا غبارها الذي يعلق بالقدمين.بعد هذا كلّهُ ، أقفل محمد الماغوط باب بيته واتكئَ على أريكته عاطلاً عن الوطن كإلهٍ لم ينهِ بعد دراسته الابتدائية .أربعة أشهرٍ مرّت لم يقرأ فيها الماغوط سوى وصفات الأدوية بعد أن كان يقرأ طالع البلاد من فنجان قهوته الصباحي ولم يكتب أيَّ شئ ." بشرب وبتشائم " هكذا يقدّم لك الماغوط آخر أخباره ، فيا أيّها الناس انتبهوا فهذا الرجل إذا تشاءم فإنَّ كارثةً ما ستحدث حتماً ، وهذا الشاعر إذا لم ينم الليل كما كان حاله في آخر مرّةٍ قابلته فيها منذ أيّام فهذا يعني أنَّ مصيبةً ما يتم تفصيلها على مقاسنا في ضوء القمر .لقد شاخ النسر ، ولم يعد جناحاه قادران على التفاهم مع رياح العولمة، وأعاصير الأصوليّة، ونسائم التغيير، ولافتقاره بات صالحاً للعمل بعد كل ذلك النقر في هذه الصخرة التي لا ترحم ولا تدع رحمة اللّه تنزل .محمد الماغوط .. يلزمنا موتك كي تكتمل جريمتنا، وتنقصنا أنفاسك الأخيرة كي نضمن فوزنا في مباراة التخلّف . لقد أخطأت في التصويب، فأمتنا لوت ذراع ابن رشد، وداست على رقبة ابن عربي، وخلّت – الليمحمد الماغوط.. ما يشتري يتفرّج - على الحلاج، ونشّفت الدم في عروق ماركس، وشربت من دم انطون سعادة ثمَّ غرست كعب حذائها في صدر كمال خير بك وناجي العلي وأمل دنقل ، وأوقدت النار فينا ثمَّ شوّهتهم أمام أعيننا .محمد الماغوط.. في غيابك ماتت سلمية والورثة سرقوا عينها الزرقاء وأقراطها الفاطمية ، ولم يحسبوا حسابك إلاّ بالغبار . ويا أبو شام لقد بلّطوا بردى ، ومقاهيك صارت ملاهي لتطبيق الأوطان تمهيداً للنوم معها .وإلى كل من تهمه أخباره، نعلمكم بأن محمد الماغوط ينفّذ الآن شيخوخته وحيداً جزاءاً لهُ ، وليكون عبرة لسواه ممن تسوّل لهم نفوسهم اقتراف وطن في هذا الوطن وارتكاب حب في هذه الأمّة .'هل فقدت الشعوب العربية إحساسها بالأرض والحرية والكرامة والانتماء .. ، ام أن الإرهاب العربي قد قهرها وجوّعها وروّعها وشرّدها سلفا أكثر بكثير مما فعلته وقد تفعله إسرائيل في المستقبل ..؟' ....أسئلة كثيرة طرحتها يا سيدي قبل أكثر من ربع قرن .. عندما كنا أطفالا نصطف في باحات المدارس ونردد الشعارات دون أن نفهمها ..لم تفعل يا سيدي سوى انك زدت في حيرتنا حيرة ، لم تفعل سوى انك اثبت ما عجز عنه غاليليو ، حين اثبت أن الأرض من تحتنا ثابتة لا تدور ، فانا اقرأ كتاباتك فابكي واقعاً أعيشه اليوم بعد ربع قرن .. وكأن الزمان توقف عند كلماتك .. أتعلم .. إنني في جزء مني أكرهك .. نعم أكرهك !!لأنك وضعتني وكل عربي أمام المرآة وأزلت الغشاوة ( او ربما ' الطماشة ' التي يضعونها للدواب )عن عينيّ ، وأجبرتني على قراءة الواقع المرير .. فرأيت كم أنا بشع ، أسير ، ذليل ، لقيط .. لا وطن لي ولا كرامة .. اغار منك لان ما كتبته منذ عقود لا استطيع أن اكتبه أنا اليوم .. فعقارب الساعة في بلادنا تمشي بعكس الاتجاه .. الحياة تبدأ عندنا من الموت .. فنولد امواتا متعفنين متفسخين ونصبح في سن الرشد هياكل عظمية ، تهزها الريح وتسكنها الغربان .. وتعزف عليها السنون نغمات الموت .. نحفّظها نشيد المستقبل للأجيال ..نصدّرها لهم ظلاما وآلاما .. نحن اليوم يا سيدي إذا أردنا الكلام نستعين بكلماتك وإذا تألمنا نستعير صرخاتك .. وإذا اعتصر الأسى قلوبنا نبكي بدموعك .. نستخرجها من الكتب والمسرحيات .. ونلصق التهمة بك ونهرب .. ' هو الذي قال ' ..نحن نسخة من الهزيمة التي سكنتك ، نحن نسخة من الحسرة التي اعتصرتك ، نحن جزء من خيبة الأمل التي نمت وكبرت فيك .. نحن الرماد الذي سقط منك بعدما انطفأت .. فكان الظلام أطول من سنين عمرك .. ونزيد عنك جبنا ، ونزيد عنك خنوعا ، ونزيد عنك استسلاما .. يا سيدي 'أمة العرب' ما زالت مشغولة بحل ' الكلمات المتقاطعة وتتابع المباريات الرياضية ، وتمثيلية السهرة ' كما كنت تقول ، وزادت على مهارتها مشاهدة السيقان وهز الوسط والمسلسلات المكسيكية والأفلام الأجنبية والاشتراك في المسابقات .. وانتشرت ثقافة الاركيلة والـ ' اس ام اسات ' والايميلات والتشات ، وسلحنا شعوبنا بالموبايلات ونجحنا في إدخال البلوتوث والكاميرات حتى الى اكثر الدول العربية تشددا ومحافظة .. واقسم لك يا سيدي بأن كل الذين ربحوا المليون مع قرداحي عرب .. ومنهم سوريون .. ولنا جنود أشداء في كثير من المعارك التي نخوضها بشرف في ستار أكاديمي و سوبر ستار والضيعة وسورفايفر والقلعة والفخ .. ونمتلك اليوم من الرموز الوطنية الكثير .. أوبرا ، دكتور فيل ، نانسي عجرم وراغب علامة ، ماريا ، وهيفاء وهبة ، وميشو ، وطوني خليفة ، وبارود وابو جودة .. ياه ,, لو تعرف ما أكثر الرموز الوطنية في بلادنا العربية .. في عصر الرفاهية .. وزاد في القضايا العربية قضية .. العراق .. ونعمل اليوم على لبنان .. ودارفور والصحراء الغربية .. فنحن نريد أن تتعدد الخيارات لنواكب العصر ونقضي على الملل .. والله مللنا من قضية فلسطين ، ويطالبنا اولادنا بقضايا جديدة ( مودرن ) وكيف لا فنحن ننادي بحرية الاختيار والديمقراطية .. وهذا لن يتحقق إلا بتعدد القضايا الوطنية والقومية .. ولكني يا سيدي ما زلت عندما احمل ' حقائبي المليئة بالخرائط والمستندات والرسوم التوضحية ' وأتحدث إليهم 'كفنان ، كخبير طاقة كأب ، كفلاح ، كعامل كتاجر .. كيميني او يساري ، كمزايد او معتدل ، عجوز أو طفل .. ' لأثير ' نخوتهم غضبهم مخاوفهم ' .. ينظرون إلي كما كانوا ينظرون إليك منذ سنين ' تلك النظرة الحزينة المنكسرة كغصن وينصرفون ' .. متنهدين .. اعتنقت مذهبك يا سيدي وفشلت .. فمذهبك مذهب الفاشلين في أوطاننا العربية .. وأنا اخطط اليوم لامتلك مهارات أخرى .. غير تلك التي تعلمتها من كتبك وحفظتها في مسرحياتك .. سأدرب يديّ على التصفيق ، وأطلق لساني للمديح ، وأمرّن قدميّ على كل الرقصات من الدبكة في الساحات الى الفالس في الصالونات.سأعلم العرب كيف يتنفسون شهيقا دون الزفير ، سأعلمهم ان يقهقهوا في المآسي ، ويضحكون في المآتم .. ويبتهجون في الهزائم .. ويتحركون بالريموت كنترول ..وابيعهم الوصفة السحرية .. بان يغلقوا عقولهم ويحبسوا قلوبهم ويؤجروا ألسنتهم بأعلى سعر ممكن في البورصات .. ويعيشوا همومهم في الأسواق المالية مؤشرات تهبط وتصعد .. سيعيشون يا سيدي .. ولا يهم الوطن .. أما عن البكاء ..فليس عليهم سوى أن يكذبوا . .. ويخبروا حكامهم بان الدموع .. مجرد دموع فرح .. 'بدأت وحيدا وانتهيت وحيدا .. كتبت كإنسان جريح وليس كصاحب تيار او مدرسة'.

دمشق مدينة أنت تحبها وهي لا تحبك، وسبق أن قلت عن دمشق أنها مدينة أعطيتها صدري أربعين عاماً، ولا أجرؤ إلى إعطائها ظهري ثانية واحدة، أنا لا أحب المدن التي أسكنها بل المدن التي تسكنني، ودمشق سكنتني، لذلك لا أعرف أن أبتعد عن دمشق. منذ خمسين عاماً جئت إلى دمشق، ورغم تشردي على أرصفتها وفي أقبيتها وأسطحها، إلا أنني احبها خصوصاً في الليل، وتحت المطر، أحب المشي في شوارعها ودروب حارتها. رافقت مهر بردى عمداً. لكن دمشق التي أحب بقيت في دفاتري، لأنني اليوم أشعر بغربة فيها، الناس تغيرت وليس الأمكنة فحسب. كل ما أريده في مدينتي الحديثة هو أرصفتها القديمة. دمشق قصة الحب الأول والصوت الأول، بعيداً عن شوارعها أصاب بالكساح. دون رائحتها أصاب بزكام أبدي". كيف صار لهذا الشاعر المتشرد على أرصفة دمشق، أن يصنع من الكلمات أجنحة للحلم المتمرد، قبل نصف قرن، جاء إلى مائدة الشعر جائعاً، فقلب الطاولة على الجميع ثم صفق الباب وراءه وخرج، وكأي مغن جوال، يشكو آلام العزلة وخراب الروح، حزيناً إلى حدود الصراخ، ووحيداً مثل بدوي تائه في الصحراء في ليلة مظلمة، وها هو يهتدي إلى بوصلة الشعر، ويخترع معادلة جديدة للشعر، لا تشبه أي معادلة أخرى وذلك منذ "حزن في ضوء القم

لم ندفع ساعات فرح و حزن .....

لم نشقى لم نرتاح؟!؟

وكل ما نفعله نفعله لمزاولة حرفتنا ......الموت !!!

أجل نبكي الما و نعتصر هما

ونحرق أرواحنا لنحصل على شهادة تبيح لنا العيش عند بارئنا؟!؟

شهادة وفاة؟!؟

اذا كلنا كنا في طريقنا للموت لم نقوم بمعجزات لنعيش؟!؟

أيها الجوع الأزرق الناب والعينين..

كفاكَ تحديقاً في السماء البعيدة..

إنها لن تمطر..

لن تمطر أبداً بعد الآن..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق